أبي حيان التوحيدي

261

المقابسات

وقال : الحرف « 1 » الذي يدعى في العربية وينسب إلى الأدب موروث من العرب ، وذلك أن أرضها ذات جدب ، والخصب فيها عارض ، وهم من أجل ذلك أصحاب فقر وضر ، وربما دفعوا إلى وصال وطي « 2 » وكل من تشبه بهم في كلامهم وطريقتهم وعبارتهم ارتضخ ما هو غالب عليهم من الحرف « 3 » والاخفاق اللذين عليهما إلفهم ، ألا ترى أن الشبع غريب عندهم ، والرعب مذموم منهم ؟ وهذه هي الحال التي فرقت بين الحاضرة والبادية ، وقد زادتهم جزيرتهم شرا لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة ، والبيان الرائع ، والتصرف المفيد ، والاقتدار الظاهر ، لأن أجسامهم نقّيت من الفضول ، ووصلوا بحدة الذهن إلى كل معنى معقول ، وصار المنطق الذي بان به غيرهم بالاستخراج مركوزا في أنفسهم من غير دلالة عليه بأسماء موضوعة وصفات متميزة ، بل فشا [ فيهم ] كالالقاء والوحي ، لسرعة الذهن وجودة القريحة وقلت له : قد صنف أبو إسحاق الصابى رسالة في تفضيل النثر والنظم ؟ فقال : قد كان منذ أيام سألني عنهما فقلت له : النثر أشرف جوهرا ، والنظم أشرف عرضا . قال : وكيف ؟ قلت : لأن الوحدة في النثر أكثر ، والنثر إلى الوحدة أقرب . فمرتبة النظم دون مرتبة النثر ، لأن الواحد أول والتابع له ثان فقلت له : فلم لا يطرب النثر كما يطرب النظم ؟ فقال : لأنا منتظمون ، فما لاءمنا أطربنا ، وصورة الواحد فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة ، فلذلك إذا أنشدنا ترنحنا ، هذا في أغلب الامر وفي أعم الأحوال ، أو في أكثر الناس . وقد نجد مع ذلك أيضا في أنفسنا مثل هذا الطرب والأريحية والنشوة والترنح عند فصل منثور ، ومما يهدى لهذا

--> ( 1 ) الحرف الميل عن طرق الكسب ، وقلة المال وضيق الرزق . وهو ما يرمى به أكثر الأدباء ( 2 ) الوصال : هو أن يصل نهاره بليله جوعا . والطي هو أن يبيت طاويا على الجوع ويصبح غرثانا ( 3 ) في الأصول : الحرب وليس هذا مكانها